السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

406

مختصر الميزان في تفسير القرآن

والسورة نازلة بعدها بل وبعد أحد . فمحصل معنى الآية : أنكم أيها المشركون لو كنتم من أولى الأبصار والبصائر لكفاكم في الاعتبار والدلالة على أن الغلبة للحق وأن اللّه يؤيد بنصره من يشاء ولا يغلب بمال ولا ولد ما رأيتموه يوم بدر فقد كان المؤمنون مقاتلين في سبيل اللّه سبحانه ، وقد كانوا فئة قليلة مستذلين لا يبلغون ثلث الفئة الكافرة ، ولا يقاسون بهم قوة ، كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ليس لهم إلّا ستة أدرع وثمانية سيوف وفرسان ، وكان جيش المشركين قريبا من ألف مقاتل لهم من العدة والقوة والخيل والجمال والهيئة ما لا يقدر بقدر ، فنصر اللّه المؤمنين على قلتهم وذلتهم على أعدائه وكثّرهم في أعينهم فكانوا يرونهم مثليهم رأي العين ، وأيدهم الملائكة فلم ينفع المشركين ما كانوا يتعززون به من أموال وأولاد ولم يغنهم جمعهم ولا كثرتهم وقوتهم من اللّه شيئا . وقد ذكر اللّه سبحانه دأب آل فرعون والذين من قبلهم في تكذيب آيات اللّه وأخذهم بذنوبهم في سورة الأنفال عند ذكر القصة مرتين كما ذكره هاهنا بعينه . وفي موعظتهم بتذكير وقعة بدر إيماء إلى أن المراد بالغلبة في الآيات السابقة الغلبة بالقتل والإبادة ، ففي آياته تهديد بالقتال . قوله تعالى : فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ ، لم يقل وأخرى في سبيل الشيطان أو في سبيل الطاغوت ونحو ذلك لأن الكلام غير مسوق للمقايسة بين السبيلين بل لبيان أن لا غنى من اللّه تعالى ، وأن الغلبة له فالمقابلة بالحقيقة بين الايمان باللّه والجهاد في سبيله وبين الكفر به تعالى . والظاهر من السياق أن الضميرين في قوله يرونهم مثليهم راجعان إلى قوله : فِئَةٌ تُقاتِلُ ، أي الفئة الكافرة يرون المؤمنين مثلي المؤمنين فهم يرونهم ستمائة وستة وعشرين ولقد كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ، وأما احتمال اختلاف الضميرين مرجعا بأن يكون المعنى : يرون